الشوكاني

286

فتح القدير

بالجنتين من جميع جوانبهما ( وجعلنا بينهما زرعا ) أي بين الجنتين ، وهو وسطهما ، ليكون كل واحد منهما جامعا للأقوات والفواكه ، ثم أخبر سبحانه عن الجنتين بأن كل واحدة منهما كانت تؤدي حملها وما فيها ، فقال ( كلتا الجنتين آتت أكلها ) أخبر عن كلتا بآتت ، لأن لفظه مفرد ، فراعى جانب اللفظ . وقد ذهب البصريون إلى أن كلتا وكلا اسم مفرد غير مثنى . وقال الفراء : هو مثنى ، وهو مأخوذ من كل فخففت اللام وزيدت الألف للتثنية . وقال سيبويه : ألف كلتا للتأنيث ، والتاء بدل من لام الفعل ، وهى واو ، والأصل كلوا . وقال أبو عمرو : التاء ملحقة وأكلهما : هو ثمرهما ، وفيه دلالة على أنه قد صار صالحا للأكل . وقرأ عبد الله بن مسعود " كل الجنتين آتي أكله " ( ولم تظلم منه شيئا ) أي لم تنقص من أكلها شيئا ، يقال ظلمه حقه : أي نقصه ، ووصف الجنتين بهذه الصفة للإشعار بأنهما على خلاف ما يعتاد في سائر البساتين فإنها في الغالب تكثر في عام ، وتقل في عام ( وفجرنا خلالهما نهرا ) أي أجرينا وشققنا وسط الجنتين نهرا ليسقيهما ثم دائما من غير انقطاع ، وقرئ " فجرنا " بالتشديد للمبالغة ، وبالتخفيف على الأصل ( وكان له ) أي لصاحب الجنتين ( ثمر ) قرأ أبو جعفر وشيبة وعاصم ويعقوب وابن أبي إسحاق " ثمر " بفتح الثاء والميم ، وكذلك قرؤا في قوله - أحيط بثمره - وقرأ أبو عمرو بضم الثاء وإسكان الميم فيهما ، وقرأ الباقون بضمهما جميعا في الموضعين . قال الجوهري : الثمرة واحدة الثمر ، وجمع الثمر ثمار مثل جبل وجبال . قال الفراء : وجمع الثمار ثمر . مثل كتاب وكتب ، وجمع الثمر أثمار . مثل عنق وأعناق وقيل الثمر جميع المال من الذهب والفضة والحيوان وغير ذلك . وقيل هو الذهب والفضة خالصة ( فقال لصاحبه ) أي قال صاحب الجنتين الكافر لصاحبه المؤمن ( وهو يحاوره ) أي والكافر يحاور المؤمن ، والمعنى : يراجعه الكلام ويجاوبه ، والمحاورة المراجعة ، والتحاور التجاوب ( أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا ) النفر الرهط ، وهو ما دون العشرة ، وأراد هاهنا الأتباع والخدم والأولاد ( ودخل جنته ) أي دخل الكافر جنة نفسه . قال المفسرون : أخذ بيد أخيه المسلم ، فأدخله جنته يطوف به فيها ، ويريه عجائبها ، وإفراد الجنة هنا يحتمل أن وجهه كونه لم يدخل أخاه إلا واحدة منهما ، أو لكونهما لما اتصلا كانا كواحدة . أو لأنه أدخله في واحدة ، ثم واحدة أو لعدم تعلق الغرض بذكرهما ، وما أبعد ما قاله صاحب الكشاف أنه وحد الجنة للدلالة على أنه لا نصيب له في الجنة التي وعد المؤمنون ، وجملة ( وهو ظالم لنفسه ) في محل نصب على الحال : أي وذلك الكافر ظالم لنفسه بكفره وعجبه ( قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا ) أي قال الكافر لفرط غفلته وطول أمله : ما أظن أن تفنى هذه الجنة التي تشاهدها ( وما أظن الساعة قائمة ) أنكر البعث بعد إنكاره لفناء جنته . قال الزجاج : أخبر أخاه بكفره بفناء الدنيا وقيام الساعة ( ولئن رددت إلى ربى لأجدن خيرا منهما منقلبا ) اللام هي الموطئة للقسم ، والمعنى : أنه إن يرد إلى ربه فرضا وتقديرا كما زعم صاحبه ، واللام في " لأجدن " جواب القسم ، والشرط : أي لأجدن يومئذ خيرا من هذه الجنة ، في مصاحف مكة والمدينة والشام " خيرا منهما " وفى مصاحف أهل البصرة والكوفة " خيرا منها " على الإفراد ، و ( منقلبا ) منتصب على التمييز : أي مرجعا وعاقبة قال هذا قياسا للغائب على الحاضر . وأنه لما كان غنيا في الدنيا ، سيكون غنيا في الأخرى ، اغترارا منه بما صار فيه من الغنى الذي هو استدراج له من الله ( قال له صاحبه ) أي قال للكافر صاحبه المؤمن حال محاورته له منكرا عليه ما قاله ( أكفرت بالذي خلقك من تراب ) بقولك - ما أظن الساعة قائمة - وقال خلقك من تراب : أي جعل أصل خلقك من تراب حيث خلق أباك آدم منه ، وهو أصلك ، وأصل البشر فلكل فرد حظ من ذلك ، وقيل يحتمل أنه كان كافرا بالله فأنكر عليه ما هو عليه من الكفر ، ولم يقصد أن الكفر حدث له بسبب هذه المقالة ( ثم من نطفة ) وهى المادة القريبة ( ثم سواك رجلا ) أي صيرك